(فصل)
قال الحَلِيمي:
وأما الاستغفار فإن الله - عز وجل - يحكي عن هود النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال لقومه: {وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} .
وهذا يوهم أن يكون الجمع بين الأمرين محتاجاً إليه، وقد يوهم غيره، لأنه ميز الاستغفار عن التوبة، وقدمه في الذكر عليه.
ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم -.
«من أصاب ذنباً فندم عليه، غفر له ذلك من قبل أن يستغفر» فهذا يدل على أن الاستغفار ليس من أركان التوبة، على المعنى، أنه يحتاج إليه مع الندم لتتم التوبة، وأما قول الله - عز وجل - في قصة أبينا آدم صلوات الله عليه، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} وأثابه هذا بكلمات في آية أخرى، وهو قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فليس فيه إلا حكاية ما كان من آدم عليه السلام حني تاب عليه.
لا يدل على أنه لو ندم ولم يستغفر بلسانه لم يكن تائباً، لأنه قد قال: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
ولا خلاف في أن من لم يقل ذلك واقتصر على أن يقول: رب اغفر لي كان كافياً.
فكذلك لو ندم ولم يستغفر بلسانه لكان كافياً.
وأيضاً فإن التوبة لما كانت من الفرائض أشبهت الصلاة والصيام ومعلوم أن من صام وصلى لم تتعلق صحتها منه وتمامها بأن يقول: اللهم تقبل مني.
فكذلك صحة التوبة وتمامها لا تتعلق بأن يقول: اللهم اغفر لي.
وأما إذا استغفر ولم يتب فقد يجوز أن يغفر الله له ويسقط الذنب عنه في حكم الآخرة، ولكنه لا يدري أن الله - تعالى جده - أجاب دعاءه أو لم يجب، فلا يزال أحكام ذلك الذنب عنه بل يفسق ويرد بها ربه.
وإن كان فيه حداً أقيم عليه، والله أعلم.
وأما إذا تاب ولم يستغفر بلسانه أسقط حكم الذنب عنه، لأن الله تعالى فرض التوبة ولا يفرضها ثم لا يقبلها، وأخبر مع ذلك بأنه يقبل التوبة عن عباده، ولا يجوز عليه أن يخلف وعده.
فصح أن قبول التوبة من التائب أمر تقع كناية العلم به.
فيجوز بذلك أن تتبعه أحكام، ولم يخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلّم - إن كان من دعاه وسأله المغفرة، أجاب دعاءه.