قال - عليه الرحمة:
{قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ}
لمَّا ضَاقَ به الأمُر كَشَف اللَّهُ عنه الضُرَّ فَعَرَّفَ إليه الملائكةُ وقالوا: لا عليكَ فإنهم لا يصلون إليكَ بسوءٍ وإنَّا رُسُلُ ربك جئنا لإهلاكهم، فاخرُجْ أنت وقومُك من بينهم، واعلمْ أنَّ مَنْ شَارَكَهم في عملهم بنوعٍ فَلَهُ مِنْ العذابِ حِصَّة. ومن جملتهم أمرأتك التي كانت تدل القوم على المَلَكِ لفعلة الفاحشة، وإن العقوبة لاحقةٌ بها، مُدْرِكَة لها.
والإشارة منه أن الجسارةَ على الزَّلّةِ وخيمةُ العاقبةِ - ولو بعد حين، ولا ينفع المرءَ اتصالُه بالأنبياء والأولياءِ إذا كان في الحكم والقضاء من جملة الأشقياء.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} .
ما هو كائِنٌ فقريبٌ، والبعيدُ ما لا يكون. وإنَّ مَنْ أقْدَمَ على محظورٍ ثم حُوسِبَ عليه - ولو بعد دهورٍ خالية وأعوام غير محصورة ماضية - تصور له الحال كأنه وقتُ مَبَاشَرَتِه لتلك الزَّلة.
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) }
سُنَّةُ الله في عباده قلبُ الأحوال عليهم، والانقلابُ مِنْ سِمَاتِ الحدوث، أمّا الذي لا يزول ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية.
وإنَّ مَنْ عاش في السرور دهراً ثم تبدل يُسْرُه عُسْراً فَكَمَنْ لم يَرَ قطُّ خيراً، والذي قاسَى طولَ عمره ثم أُعطِي يُسْراً فكمن لم يَرَ عُسْراً.
قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110] .