قوله: {ذلك من أنباء الغيب} الآية
{ذلك} إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة، و"الأنباء"الأخبار. و {القرى} يحتمل أن يراد بها القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة، ويحتمل أن يريد القرى عامة، أي هذه الأنباء المقصوصة عليك هو عوائد المدن إذا كفرت، فيدخل - على هذا التأويل - فيها المدن المعاصرة، ويجيء قوله: {منها قائم وحصيد} منها عامر ودائر، وهذا قول ابن عباس: وعلى التأويل الأول - في أنها تلك القرى المخصوصة - يكون قوله: {قائم وحصيد} بمعنى قائم الجدرات ومتهدم لا أثر له، وهذا قول قتادة وابن جريج، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم.
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}
المعنى: وما وضعنا عندهم من التعذيب ما لا يستحقونه، لكنهم ظلموا أنفسهم بوضعهم الكفر موضع الإيمان، والعبادة في جنبة الأصنام، فما نفعتهم تلك الأصنام ولا دفعت عنهم حين جاء عذاب الله.
وال {تتبيب} الخسران، ومنه {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] ومنه قول جرير: [الوافر]
عرابية من بقية قوم لوط ... ألا تبأ لما فعلوا تبابا
وصورة زيادة الأصنام التتبيب، إنما يتصور: إما بأن تأهيلها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم وصرفتها عن النظر في الشرع وعاقتها، فلحق عن ذلك عنت وخسران، وإما بأن عذابهم على الكفر يزاد إليه عذاب على مجرد عبادة الأوثان.