{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) }
[الباب الثالث والعشرين: في استيفاء شبه النافين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها]
قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذِّب ولا بالمعاقِب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} وقال تعالى: {إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} وقال: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ}
وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت.
وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه.
وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه، فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض، وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته [1] .
[1] هذا موضع زَلَّ فيه قلم ابن القيم، كما سيتبين للقارئ بعد استيفاء كلامه - رحمه الله - وسبحان من تفرد بالكمال، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الصادق المعصوم - صلى الله عليه وسلم - والعلامة ابن القيم - وإن كنا نحبه نُجلُّه - إلا أن اتباع الحق أحب إلينا، كما صرح هو بذلك في أكثر من موضع.
ولنا أن نقول: أين يذهب أصحاب النار بعد خروجهم منها؟
هل إلى الجنة؟!! فالجنة محرمة على كل من أشرك بالله، كما أخبر بذلك رب العزة تبارك وتعالى في قوله جلت حكمته: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) } .
أم أنهم سيموتون؟!!، ومعلوم أن الموت يذبح بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ففي البخاري (6548) - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا صَارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ"
وأيضا فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في (شعب الإيمان) للبيهقي"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ"
وماذا يصنع ابن القيم - رحمه الله - بصريح القرآن في إخباره عن أهل النار {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } و {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) }
وهل يصح أن تعارض هذه النصوص القرآنية الصريحة ببعض التأويلات المتكلفة الركيكة البعيدة - كما سيرى القارئ بعد قليل -؟!!
وهل عذاب إبليس وفرعون وهامان وقارون وأبي جهل ومَن على شاكلتهم إلا من أجلِّ النعم قال تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) } فالنظر إلى هلاك العدو من أجل النعم، وهؤلاء أعداء الله كما أخبر عنهم {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) }
وأهل النار قد طلبوا الخروج منها، وطلبوا الموت وطلبوا تخفيف يوم من العذاب فلم يجابوا إلى شيء من ذلك.
فبقاء هؤلاء في النار من أعظم آيات الرحمة. والله أعلم.
وبالجملة فإنه يؤخذ على ابن القيم - رحمه الله - أنه لم ينتصر لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، بل قد بالغ في الرد على أدلتهم بحجج واهية لا ترقى للشبه، وذكر شبها ركيكة للقائلين بفناء النار دون الرد عليها، بل حاول الانتصار لها، وكلامه - رحمه الله - في (الوابل الصيب) محير.
قال - عليه الرحمة:
ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبيث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض. اهـ (الوابل الصيب. ص: 20) .
ولعله صنَّف كتاب (الوابل الصيب) بعد (حادي الأرواح) و (شفاء العليل) والعلم عند الله تعالى.
وعلى كلٍّ فاتباع الحق أحب إلينا - كما صرح ابن القيم - في أكثر من موضع.
ومن عبارات ابن القيم الرشيقة قال - رحمه الله -
"وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك"اهـ.
روى البخاري عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا سُبِقَتْ الْعَضْبَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ". اهـ =