36 - {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ} ؛ أي: أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نوح بعد أن استعجلَ قومه بالعذاب، ودعا عليهم دعوتَه التي حَكَاهَا الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ؛ أي: أَوْحَى الله تعالى إليه
{أَنَّهُ} ؛ أي: أنَّ الشأنَ، والحال {لَنْ يُؤْمِنَ} أحدٌ {مِنْ قَوْمِكَ} المصرينَ على الكفر فيتبَعُك على ما تدعوه إليه من التوحيد {إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} من قبل، فيَظلُّ على إيمانه، {فَلَا تَبْتَئِسْ} ولا تحْزَنْ {بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ؛ أي: بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والإيذاء في هذه المدة الطويلة، فقد انتهى أفعالهم، وحانَ وقت الانتقامِ منهم والبؤس والحزن، والابتئاس الحزن مع الاستكانة والتذلل.
والمعنى: فلا يشتدَّ عليكَ البؤس والحزن بعد اليوم بما كانوا يفعلون في السنين الطوال، من العناد والإيذاء، والتكذيب لك، ولمَنْ آمن مَعَكَ فَأَرِحْ نَفْسَكَ بعد الآن من جِدَالِهم، ومن إِعراضِهِم، واحْتِقارِهم فَقَد آنَ زَمَن الانتقام، وحَانَ حين العذاب.
قال ابن عباس: إنَّ قومَ نوح كانوا يضربونَ نوحًا حتى يَسْقُطَ فيلفُّونَه في لبد، ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مَاتَ، فيخرج في اليوم الثاني، ويدعوهم إلى الله، ويروى أنَّ شيخًا منهم جَاءَ متكئًا على عصاه، ومعه ابنه فقال: يا بنيَّ لا يَغُرنك هذا الشيخُ المجنون، فقال: يا أبت أمكنّي مِن العَصا فأَخَذَها من أبيه، وضرب بها نوحًا عليه السلام، حتى شجَّه شجَّةً منكرةً فأوحى الله إليه إنه لن يُؤْمِنَ مِن قومك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ.