وحكى محمَّد بن إسحاق عن عبد الله بن عُمير الليثي أنه بلغه أنهم كانوا يَبْسطون نُوحًا فيخنِقُونه حتى يغْشَى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى تمادَوا في المعصية، واشتدَّ عليه منهم البلاء، وهو ينتظر الجيلَ بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس مِنَ الذي قبله، ولقد يأتي القرنُ الآخِر منهم فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجْدادِنا هكذا مجنونًا، فلا يقبلون منه شيئًا فشكا نوحٌ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ فقال: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} الآيات حتى بلغ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} .
37 -ثم إنَّ الله سبحانه وتعالى لما أخبره أَنهم لا يؤمنونَ ألبتة عرفه وجهَ إهلاكهم، وألهَمَهُ الأمرَ الذي يكون به خلاصُه وخلاص من آمن معه فقال: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ} ؛ أي: واعْمَلْ السفينة التي سننجيك ومن آمن معك فيها حالة كونك محفوظًا محروسًا {بِأَعْيُنِنَا} ؛ أي: بحفظنا لك، وحراسَتنَا لك {و} معلمًا كيفيةَ صنعتها بـ {وحينا} وتعليمنَا لك؛ أي: إنَّنا حافظوك في كل آن، فلا يمنعك مِن حفظنا مانعٌ، وملهموك ومعلموك بوحينا كيف تصنعه، فلا يعرضَنَّ لك خَطَأٌ في صنعتها, ولا في وصفها، والظاهر: أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيلَ إلى صون نفس وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذَا الطريقِ، وصَوْنُ النفس من الهلاك واجبٌ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ, اهـ"كرخي".
والمراد بقوله: {بِأَعْيُنِنَا} ؛ أي: بحِراسَتِنَا لك، وحفظِنَا لك، وعَبَّر عن ذلك بالأَعْيُن لأنها آلةُ الرؤية، والرؤية هي التي تكونُ بها الحراسةُ والحفظ في الغالب، وجَمَع الأعْيُنَ للتعظيم لا للتكثير، لئلا يناقض قولَه تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ، وقيل: المعنى: {بِأَعْيُنِنَا} ؛ أي: بأعين ملائكتنا الذين جعَلْناهم عُيونًا على حفظك، وقيل: {بِأَعْيُنِنَا} بِعِلمنا، وقيل: بأمرنا، ومعنى بِوَحْيِنا؛ أي: بما أوْحَيْنا إليك من كيفية صنعتها.