أما إذا تعدى بـ (مِن) فإنه يتضمن معنى (الخروج) . في قوله تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) وقوله تعالى: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) تضمن الهبوط معنى السقوط وحين يتعدى بنفسه في قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) فإنه يتضمن معنى (النزول) .
أرأيت كيف يتغير معنى (الهبوط) بتغير الحروف التي يتعدى بها؟! ولو توهمتَ آخذا بتعاور الحروف لحرمت نفسك من محاسن هذه الصنعة وسددت عليك باب الحظوة بها.
ولو سأل سائل: لم اختار الهبوط على الحلول وهذه أندى ظلالًا؟ قلت: لو قال: احلل لضاع علينا معنى الهبوط أي النزول فليس معنى حلول السفينة هو نزول أهلها منها. ولو قال: (يا نوح اهبط) : سينزل إلى أين؟ لا بد من قرار ودار سلام يحل بها، وإلا بقي مرتحلا ليس له مقام.
فجمع التضمين الهبوط مع الحلول فأفادهما جميعا، وبذلك أسفر وجهه عن غرض تعدية الفعل بغير حرفه لدى الاستقراء له والبحث عن كنهه. فإياك والوقوف مع كثافة الذهن في التناوب والتعاور لأنها تدعوك لإنكار هذه اللطائف.
(قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ...(53)
(ترك) لا يتعدى بـ (عَنْ) ، فذهب أكثر المفسرين - كالزمخشري وأبي السعود - إلى تعليق الصلة بحال محذوفة وقدروها (صادرين) وضمنها بعضهم (معرضين) وذكر السيوطي، والجمل: أن (عن) بمعنى (اللام) وتبعهم في ذلك الآلوسي فقال: عن قولك: بسبب قولك المجرد عن البينة، فعن للتعليل كما في قوله تعالى: (إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) وإليه أشار ابن عطية في المحرر الوجيز.
أقول: واللجوء إلى التقدير فيه استثقال لنفور الحس عنه، سواء كان التقدير صادرين أو معرضين أو غير ذلك وتضمين (عن) معنى (الباء) أو اللام غير محتفل به. ولعل التضمين في الفعل ينجينا من المسلك الوعر. وتضمين (ترك) معنى (نحّى) يؤدي الغرض، وينسجم مع السياق، ويذهب في استحسانه. فما نحن بمنحّي آلهتنا عن زعمك الذي زعمت في توحيد الربوبية والألوهية، ولا بمخالفيها عما أفصح به لسانك فكيف بتركها؟!
نعم ترك عبادتها بعيد كل البعد عن تصورهم لأسباب:
منها: قولهم: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) .