وأما حال الذين يؤمنون به ، فقد بيّنه سبحانه بقوله: {إِنَّ الذين ءامَنُواْ} أي: فعلوا الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع منهم من التفكر والاعتبار ، فيما تقدّم ذكره من الآيات {وَعَمِلُواْ الصالحات} التي يقتضيها الإيمان.
وهي ما شرعه الله لعباده المؤمنين {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي: يرزقهم الهداية بسبب هذا الإيمان المضموم إليه العمل الصالح ، فيصلون بذلك إلى الجنة ، وجملة: {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} مستأنفة ، أو خبر ثان ، أو في محل نصب على الحال.
ومعنى {من تحتهم} : من تحت بساتينهم ، أو من بين أيديهم ؛ لأنهم على سرر مرفوعة.
وقوله: {فِي جنات النعيم} متعلق بتجري أو ب {يهديهم} ، أو خبر آخر أو حال من {الأنهار} .
قوله: {دَعْوَاهُمْ} أي: دعاؤهم ونداؤهم ، وقيل: الدعاء العبادة ، كقوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [مريم: 48] وقيل معنى {دعواهم} هنا: الادّعاء الكائن بين المتخاصمين ، والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما ، وقيل معناه: طريقتهم وسيرتهم ، وذلك أن المدّعي للشيء مواظب عليه ، فيمكن أن تجعل الدعوى كناية عن الملازمة ، وإن لم يكن في قوله: {سبحانك اللهم} دعوى ولا دعاء ؛ وقيل معناه: تمنيهم كقوله:
{وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} [ياس: 57] وكأن تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه ، وهو مبتدأ وخبره {سبحانك اللهم} ، و {فِيهَا} أي: في الجنة.
والمعنى على القول الأوّل: أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح الله وتقديسه ، والمعنى: نسبحك يا الله تسبيحاً.
قوله: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي: تحية بعضهم للبعض.