{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}
ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى:
{إنّ الله اشترى} أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة {من المؤمنين} بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه {أنفسهم} التي تفرد بخلقها {وأموالهم} التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله تعالى: {بأنّ لهم الجنة} مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء.
وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن، وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم الصفقتين جميعاً، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها.
وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت.
ومرّ أعرابي على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأها فقال: الأعرابي كلام من؟ قال عليه الصلاة والسلام:"كلام الله عز وجل"، فقال الأعرابي: والله بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد.