(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ) أي يزعم ما يُنْفِقُ في سبيل الله مَغْرَماً أي غرامة وخسرانا قال عطاء لا يرجون لاعطائه ثوابا ولا على إمساكه عقابا انما ينفقون خوفا ورياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظرون بكم تقلب الزمان بان يموت الرسول ويظهر المشركون حتى يتخلصوا عن الانفاق الذي ينفقونها رياء وخوفا عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون بالمؤمنين أو اخبار بما يقع بهم نحو ما يتربصون بالمؤمنين والدائرة في الأصل مصدر أو اسم فاعل من داريد ورسمى عقبة الزمان التي يأتي بالخير مرة وبالشر أخرى قرأ ابن كثير وأبو عمرو السوء هنا وفى سورة الفتح بالضم السين ومعناه الضر والمكروه والباقون بفتح السين وهو مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك رجل صدق وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند النفاق فيما بين شياطينهم عَلِيمٌ (98) بما يضمرون قال البغوي نزلت الآية المذكورة في اعراب اسد وغطفان وبنى تميم وكذا.
أخرج أبو الشيخ عن الكلبي الا انه لم يذكر فيه بنى تميم ثم استثنى الله سبحانه من الاعراب المذكورين حال بعضهم فقال.
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وقال البغوي.
أخرج ابن جرير عن مجاهد انها نزلت في بنى مقرن من مزينته الذين نزلت فيهم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وأخرج عن عبد الرحمن بن معقل قال كنا عشرة ولد مقرن وقال الكلبي اسلم وغفار وجهينة من تميم واسد بن خزيمة وهوازن وغطفان وفى الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفار غفر الله لها واسلم سالمها الله وعصية عصمت الله ورسوله وفيهما عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قريش والأنصار وجهينة ومزينته واسلم وغفار أشجع موالى ليس لهم مولى دون
الله ورسوله وفيهما عن أبى بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلم وغفار ومزينة وجهينة خير من تميم ومن بنى عامر والحليفين اسد وغطفان وروى البغوي عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلم وغفار وشئ من جهينه ومزينة خير عند الله يوم القيامة من تميم واسد بن خزيمة وهوازن وغطفان وَيَتَّخِذُ أي يزعم ما يُنْفِقُ في سبيل الله سبب قُرُباتٍ وهي ثانى مفعولى يتخذ عِنْدَ اللَّهِ صفة لقربات أو ظرف ليتخذ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أي سبب دعائه صلى الله عليه وسلم واستغفاره.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال صلوات الرسول استغفاره صلى الله عليه وسلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم صل على ال أبى اوفى حين جاء عبد الله بن أبى اوفى بصدقته كذا.
أخرج الجماعة الا الترمذي من حديث عبد الله بن أبى اوفى أَلا إِنَّها أي النفقة قُرْبَةٌ لَهُمْ ط عند الله تعالى قرأ نافع برواية ورش قربة بضم الراء والباقون بسكونها وهذه شهادة من الله تعالى بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستيناف مع حر في التنبيه والتأكيد سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ السين لتحقيق الوعد فِي رَحْمَتِهِ أي جنته. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين هجروا قومهم وعشائرهم وفارقوا أوطانهم وأموالهم يعني من قريش مكة وَالْأَنْصارِ الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأووه وأصحابه حين أخرجه قومه يعني من أهل المدينة واختلفوا في السابقين من الفريقين قال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة هم الذين صلوا إلى القبلتين وقال عطاء بن أبى رباح هم أهل بدر وقال الشعبي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان بالحديبية وقيل هم من المهاجرين ثمانية ففر الذين سبقوا إلى الإسلام ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام بعدهم وهم أبو بكر وعلى وزبير بن الحارثة وعثمان بن عفان وزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله قال البغوي واختلفوا في أول من أمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أمرأته خديجة مع اتفاقهم على انها أول من أمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم على ابن أبى طالب وهو قول جابر بن عبد الله ويؤيده قول على
رضى الله عنه (شعر)
سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت أو ان حلم
قال مجاهد وابن إسحاق اسلم على وهو ابن عشر سنين وقال بعضهم أول من أمن به بعد خديجة أبو بكر الصديق وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي ويشهده قول حسان بن ثابت في إشعاره في مدح أبى بكر وتسليم النبي صلى الله عليه وسلم إياه وقال بعضهم أول من أمن به زيد بن حارثة وهو قول الزهري وعروة ابن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول أول من اسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان على ومن العبيد زيد بن الحارثة رضى الله عنهم أجمعين قال ابن إسحاق فلما اسلم أبو بكر اظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله وكان رجلا محببا سهلا وكان انسب قريش وأعلمها بما كان فيها وكان تاجر إذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير
واحد من الأمر لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعوا إلى الإسلام من وثق به من قومه فاسلم على يديه فيما بلغني عثمان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اسلموا وصلوا ثم اسلم غيرهم حتى بلغ المسلمون من الرجال والنساء إلى تسع وثلثين في سبع سنين ثم اسلم عمر بن الخطاب فهو منهم أربعين فإذا اسلم عمر قال المشركون اليوم انتصف منا ثم شاع الإسلام وتقوى بإسلام عمر بعد سبع سنين ومن هاهنا قال على رضى الله عنه صليت قبل الناس بسبع سنين والسابقون من الأنصار هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا ستة في العقبة الأولى وقيل سبعة واثنى عشر في العقبة الثانية والسبعون في العقبة الثالثة كما سنذكر والذين أمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة ومصعب بن عمير يعلمهم القرآن فاسلم خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان قرأ يعقوب والأنصار بالرفع عطفا على قوله والسابقون وهي قرأة أبى أخرجها ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي والحاكم وأبو الشيخ عن اسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ قيل هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين وقيل هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة قلت ويمكن أن يكون المراد من السابقين المقربين الذين قال الله تعالى فيهم والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين يعني من الصحابة والتابعين واتباعهم فانهم الأولون من هذه الامة وقليل من الآخرين أي آخري هذه الامة يعني بعد الألف وهم ارباب كمالات النبوة فانهم كثيرون في الصدر الأول قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه الصحابة كلهم كانوا من ارباب كمالات النبوة واكثر التابعين وبعض من اتباع التابعين وقيل بعد الألف من الهجرة قلت فعلى هذا قوله تعالى من المهاجرين والأنصار بيان للسابقين الأولين وليست كلمة من للتبعيض والذين اتبعوهم بإحسان يشتمل السابقين الآخرين واصحاب اليمين الذين هم ثلة من الأولين من الصدر الأول ومن بعدهم وثلة من الآخرين إلى ما بعد الألف إلى يوم القيامة وقال عطاء الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين يذكرون الصحابة بالترحم والدعاء قال أبو صخر حميد بن زياد أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له ما قولك في اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جميع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم وسيئهم فقلت له من أين تقول هذا قال أقرأ قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار إلى ان قال رضى الله عنهم ورضوا عنه قال والذين اتبعوهم بإحسان شرط في التابعين شريطة وهو ان يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة قال أبو صخر فكانى لم يقرأ هذه الآية قط وما عرفت تفسيرها حتى قرأها عليّ محمد بن كعب قلت وأولى بالاحتجاج على كون جميع الصحابة في الجنة قوله تعالى لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد
وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى فانه صريح في ان جميع الصحابة أولهم وآخرهم وعدهم الله تعالى الحسنى يعني الجنة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه متفق عليه من حديث أبى سعيد الخدري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمس النار مسلما رأنى أو رأى من رأنى رواه الترمذي عن جابر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد من أصحابي يموت بأرض الا بعث قائدا ونور الهم يوم القيامة رواه الترمذي من حديث بريدة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم فبايهم اقتديتم اهتديتم رواه رزين من حديث عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم وَرَضُوا عَنْهُ ربا وعن الإسلام دينا ومحمد رسولا ونبيا بما القى الله حبه في قلوبهم وبما نالوا من نعم الدنيوية والدينية وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ قرأ ابن كثير من تحتها كما هو في ساير المواضع وكذلك في مصاحف أهل مكة والباقون بحذف (من) (خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . انتهى انتهى {التفسير المظهري. 4/} ...