قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}
الْمُعَذِّرُونَ بِالتَّشْدِيدِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّعْذِيرِ كَالْمُقَصِّرُونَ مِنَ التَّقْصِيرِ. هَكَذَا قَرَأَ الْكَلِمَةَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ، وَقَرَأَهَا يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِعْذَارِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، وَكَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ 66 مَعْنَى الْعُذْرِ وَالِاعْتِذَارِ. وَالْإِعْذَارُ إِبْدَاءُ الْعُذْرِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ"أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ"وَأُعْذِرَ: ثَبَتَ لَهُ عُذْرٌ - وَقَصَّرَ وَلَمْ يُبَالِغْ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُبَالِغٌ، كَأَنَّهُ ضِدٌّ - وَكَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَعُيُوبُهُ، وَلَهُ مَعَانٍ أُخْرَى كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَالَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ بِتَشْدِيدِ
"الذَّالِ"الْمَكْسُورَةِ أَيِ: الْمُعْتَذِرُونَ الَّذِينَ لَهُمْ عُذْرٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُعَذِّرُ غَيْرَ مُحِقٍّ، فَالْمَعْنَى: الْمُقَصِّرُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ اهـ. وَزَادَ شَارِحُهُ، وَمَعْنَى الْمُعَذِّرُونَ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَهُوَ هَاهُنَا شَبِيهٌ بِأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ، وَيَجُوزُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُعِذِّرُونَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. الَّذِينَ يُعَذِّرُونَ: يُوهِمُونَ أَنَّ لَهُمْ عُذْرًا وَلَا عُذْرَ لَهُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَفِي الْمُعَذِّرِينَ وَجْهَانِ: إِذَا كَانَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ عَذِرَ الرَّجُلِ فَهُوَ مُعَذِّرٌ فَهُمْ لَا عُذْرَ لَهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُعَذِّرُونَ أَصْلُهُ الْمُعْتَذِرُونَ فَأُلْقِيَتْ فَتْحَةُ التَّاءِ عَلَى الْعَيْنِ، وَأُبْدِلَ مِنْهَا"ذَالٌ"وَأُدْغِمَتْ فِي"الذَّالِ"الَّتِي بَعْدَهَا فَلَهُمْ عُذْرٌ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَعْنَاهُ الْمُعْتَذِرُونَ. يُقَالُ: عَذَرَ عِذَارًا فِي مَعْنَى اعْتَذَرَ، وَيَجُوزُ عَذَرَ الرَّجُلِ يَعْذِرُ عُذْرًا فَهُوَ مُعَذَّرٌ. قَالَ وَمِثْلُهُ: هَدَى يَهْدِي هُدَاءًإِذَا اهْتَدَى. قَالَ اللهُ: أَمَّنْ لَا يَهِدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى (10: 35) اهـ.
وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَادَّةِ وَالْمُرَادِ مِنْهَا فِي الْآيَةِ.