وقيل: لا يبعد إن صدر عن المهاجرين والأنصار أنواع من المخالفات ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى ذكرهم تنبيهاً على عظم مراتبهم في قبول التوبة.
اتبعوه: أي اتبعوا أمره ، فهو من مجاز الحذف.
ويجوز أن يكون هو ابتدأ بالخروج ، وخرجوا بعده فيكون الاتباع حقيقة ساعة العسرة أي: في وقت العسرة ، والتباعة مستعارة للزمان المطلق ، كما استعاروا الغداة والعشية واليوم.
قال:
غداة طفت علماء بكر بن وائل ...
عشية قارعنا جذام وحِميرا
وآخر:
إذا جاء يوماً وارثي يبتغي الغنى ...
وهي غزوة تبوك كانت تسمى غزوة العسرة ، ويجوز أن يريد بساعة العسرة الساعة التي وقع فيها عزمهم وانقيادهم لتحمل المشقة ، إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة ، وبها وفيها يقع الأجر على الله وترتبط النية ، فمن اعتزم على الغزو وهو معسر فقد أنفع في ساعة عسرة ، ولو اتفق أن يطرأ لهم غنى في سائر سفرهم لما اختل كونهم متبعين في ساعة العسرة.
والعسرة: الضيق والشدة والعدم ، وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"من جهز جيش العسرة فله الجنة"فجهزه عثمان بن عفان بألف جمل وألف دينار.
وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلب الدنانير بيده وقال:
"وما على عثمان ما عمل بعد هذا"وجاء أنصاري بسبعمائة وسق من بر.
وقال مجاهد ، وقتادة ، والحسن: بلغت العسرة بهم إلى أن كان العشرة منهم يعتقبون على بعير واحد من قلة الظهر ، وإلى أن قسموا التمرة بين الرجلين ، وكان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمصها أحدهم ويشرب عليها الماء ، ثم يفعل بها كلهم ذلك.