وَكَانَ هُنَالِكَ يَهُودٌ كَثِيرُونَ يُقِيمُ أَكْثَرُهُمْ فِي حُصُونٍ لَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ وَبُنِيَ النَّضِيرِ ، وَقَدْ عَاهَدَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حُرِّيَّتِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُ وَيُظَاهِرُونَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكِينَ كُلَّمَا جَاءُوا لِقِتَالِهِ ، بَلْ كَانُوا يُغْرُونَهُمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَيْهِ ، فَكَانُوا فِي إِظْهَارِ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ مُنَافِقِينَ ، وَكَانَ لَهُمْ أَحْلَافٌ مِنْ عَرَبِ الْمَدِينَةِ ، فَحَافَظَ عَلَى مَوَدَّتِهِمْ مُنَافِقُوهَا بِالسِّرِّ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَحَلِّهِ .
فَكَانَتْ سِيَاسَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ يُعَامَلُ كَمَا يُعَامَلُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ ،
لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الظَّوَاهِرِ ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ ، وَيُعَاقِبُ عَلَى السَّرَائِرِ ، وَأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُوَفَّى لَهُ ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمُ اعْتَذَرُوا عَنْهُ ، حَتَّى إِذَا مَا افْتَضَحَ أَمْرُهُمْ حَارَبَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْلَاهُمْ عَنِ الْبِلَادِ ، كَمَا تَرَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ (55 - 58) مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ (42 - 52 ج 10 ط الْهَيْئَةِ) .