الذين يعرفون الله هنا سوف يعرفونه هناك. يمكن أن نقول: إنه وجود واحد نحس مبادئه هنا أيام التكليف والمعاناة ، ونحس نهايته هناك أيام الحساب والمجازاة. والحضارة العصرية ترفض ذلك كله. نحن هنا نسبح بحمد الله ، ونشكر آلاءه ، ونقوم بواجباته ، أما هناك فإن التسبيح والتحميد وأداء الواجبات سيكون طبيعة فينا لا تقترن بمعاناة أو تكلف!"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين". من أنس بالله هنا أنس به هناك ، وسعد فِي جواره! أما من أنكره هنا فماذا ينتظر هناك؟!. إن الاستغراق فِي عبادة اليوم الحاضر ، والذهول التام عما وراءه ديدن الحضارة الغربية. وخدم الديانات الأولى يرددون ألفاظا لا تقدم ولا تؤخر فِي مسير هذه الحضارة."إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون". والمنطق المادى يستغرب القرآن الكريم ، أو يستغرب الوحي كله ، لأنه مادى لا ينظر إلى السماء أبدا إلا عند التفكير فِي غزو الكواكب..!! إنه كفر شديد الغرور. وقد بدأت سورة يونس بتصوير هذا الموقف:"تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين"! إن الإيمان من قبيل البداهات السهلة ، وما عكر مورده إلا كهان محترفون أو جهال معاندون. وفى هذه السورة نرى الرباط وثيقا بين الإيمان والصلاح ، فلابد مع الإيمان من عمل صالح ، قال تعالى:"ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط"وقال:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم".. وبعد قليل قال:"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"والإحسان هو مجموع الإيمان الواضح ، والعمل الصالح عندما يسيران