وَلِهَذَا تبرد الْعُيُون والآبار وَلَا تهضم الْمعدة الطَّعَام الَّتِي كَانَت تهضمه فِي الشتَاء من الأطعمة الغليظة، لأنها كَانَت تهضمها بالحرارة الَّتِي سكنت فِي الْبُطُون، فَلَمَّا جَاءَ الصَّيف خرجت الْحَرَارَة إلى ظَاهر الْجَسَد، وَغَارَتْ الْبُرُودَة فِيهِ، فَإِذا جَاءَ الخريف اعتدل الزَّمَان وَصفا الْهَوَاء وَبرد فانكسر ذَلِك السَّمُوم، وَجعله الله بِحِكْمَتِهِ برزخا بَين سموم الصَّيف وَبرد الشتَاء لِئَلَّا يتنقل الْحَيَوَان وهلة وَاحِدَة من الْحر الشَّديد إلى الْبرد الشَّديد فيجد أذاه ويعظم ضَرَره، فَإِذا انْتقل إليه بتدريج وترتب لم يصعب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عِنْد كل جُزْء يستعد لقبُول مَا هُوَ أشد مِنْهُ حَتَّى تَأتي جَمْرَة الْبرد بعد استعداد وَقبُول حِكْمَة بَالِغَة وَآيَة باهرة، وَكَذَلِكَ الرّبيع برزخ بَين الشتَاء والصيف ينْتَقل فِيهِ الْحَيَوَان من برد هَذَا إلى حر هَذَا بتدريج وترتيب فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين وأحسن الْخَالِقِينَ.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حَال الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَا أودعاه من النُّور والإضاءة، وَكَيف جعل لَهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لإقامة دولة السّنة، وَتَمام مصَالح حِسَاب الْعَالم الَّذِي لَا غناء لَهُم فِي مصالحهم عَنهُ، فبذلك يعلم حِسَاب الأعمار والآجال المؤجلة للديون والإجارات والمعاملات وَالْعدَد وَغير ذَلِك.
فلولا حلوك الشَّمْس وَالْقَمَر فِي تِلْكَ الْمنَازل وتنقلهما فِيهَا منزلَة بعد منزلة لم يعلم شَيْء من ذَلِك.
وَقد نبه تَعَالَى على هَذَا فِي غير مَوضِع من كِتَابه كَقَوْلِه {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) }
وَقَالَ تَعَالَى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}