ومجموع هذه الشواهد، على ضعفها، يشير إلى أن الأداة غير عاملة على النحو الذي أرادوا.
غير أنّ «إن» النافية قد وجدت في آيات القرآن داخلة على الجملة اسمية وفعلية تنفيهما، ولكن النفي، في جميع الشواهد الآيات، منتقض ب «إلّا» .
أقول: ولولا «إلا» هذه، لكان السامع والقارئ في حيرة وإشكال من أمر هذه الأداة النافية «إن» ، لأن هذه الأداة على عدة أحوال فهي شرطية، وهي مخففة وهي زائدة. غير أن وجود «إلّا» جعل القارئ والسامع يدرك أنها نافية، ودونك طائفة من الآيات التي وردت فيها «إن» النافية:
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) [الأنفال] .
إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال/ 34] .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام/ 116] .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [النجم/ 28] .
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) [يس] .
وغيرها كثير. ومثل هذه الشواهد قد نجدها في كلام العرب وهي قليلة.
3 -وقال تعالى: (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا [الآية 21] .
جواب (إذا) الشرطية الأولى هو (إذا) الثانية التي تفيد المفاجأة، وإنما جعل «إذا» جوابا لكونها بعض الجملة لما فيها من معنى المفاجأة، وهي ظرف مكان، وهو كقوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ(36) [الروم] .
ومعناه: وإن تصبهم سيّئة قنطوا.
ومعنى الآية المتقدمة: وإذا أذقنا الناس رحمة .... مكروا.
4 -وقال تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [الآية 22] .
في هذه الآية ابتداء خطاب وبعد ذلك إخبار عن غائب، لأنّ كلّ من أقام يخاطبه جاز له أن يردّه إلى الغائب، قال كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تفلّت
وقال عنترة:
شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسرا عليّ طلابك ابنة مخرم
وقوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ [الآية 23] .
المعنى: فلما أنجاهم بغوا.
أقول: ومثل هذا الانتقال من الخطاب إلى الغيبة معروف في لغة التنزيل، وهو غرض ترمي إليه لغة العرب في غير القرآن من كلامهم.