أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب ، وأما اللغة فقوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} فجاء بضمير الجماعة.
قال ابن العربيّ: والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد ، ويَعْتضِدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد ، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر.
قلت: أنصّ ما يُستدلّ به على أن الواحد يقال له طائفة قولهُ تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] يعني نفْسين.
دليله قوله تعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 10] فجاء بلفظ التثنية ، والضمير في"اقتتلوا"وإن كان ضمير جماعة فأقلّ الجماعة اثنان في أحد القولين للعلماء.
الرابعة قوله تعالى: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} الضمير في"لِيتَفقَّهُوا ، وَلِيُنْذِرُوا"للمقيمين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ قاله قتادة ومجاهد.
وقال الحسن: هما للفرقة النافرة ؛ واختاره الطبريّ.
ومعنى {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين} أي يتبصّرُوا ويتيقّنوا بما يُريهم الله من الظهور على المشركين ونُصرة الدين.
{وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} من الكفار.
{إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ} من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وأنهم لا يدان لهم بقتالهم وقتال النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار.
قلت: قول مجاهد وقتادة أبْيَن ، أي لتتفقّه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا.
وهذا يقتضي الحثّ على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام ؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام ، وإنما لزم طلب العلم بأدلته ؛ قاله أبو بكر بن العربيّ.