وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"الدين النصيحة"ثلاثاً، قالوا: لمن؟ قال:"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"وجملة: {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} مقرّرة لمضمون ما سبق: أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل: أي طريق عقاب ومؤاخذة.
و"من"مزيدة للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ {المحسنين} موضوعاً في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقاً.
أو يكون المراد: ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقاً من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية.
وجملة: {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييلية.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، وقوله: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} [النور: 61] .
وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين، لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه، مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم فيه"
قالوا: يارسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال:"حبسهم العذر"وأخرجه أحمد، ومسلم، من حديث جابر.
ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله: {وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} والعطف على جملة {مَا عَلَى المحسنين} أي: ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخره من سبيل.
ويجوز أن تكون عطفاً على الضعفاء: أي ولا على إذا ما أتوك إلى آخره حرج.
والمعنى: أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو، فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك.