وعلى هذا جرى بيان القرآن المعجز، فلم يقل كما يقترح هؤلاء الغافلون:
والله ورسوله أحق أن يُرضوهما. لأن الله ليس فرداً من جنس الأفراد الذين ينتمي إليهم رسوله صلى الله عليه وسلم.
بل هو فرد لا مثيل له في الوجود أبداً، فلا يكون مع غيره ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
فالخطأ كل الخطأ هو ما توهمه مثيرو هذه الشبهات. أما ما عليه النظم القرآني الحكيم، فهو ليس كل الصواب فحسب ولكنه الإعجاز المفحم، في أَجْلَى معارضه، وآلق آفاقه ومَنْ أحسن من الله حديثاً.
التوحيد في القرآن عقيدة متمكنة في الواقع الخارجي مستقرة كل الاستقرار في قلوب المؤمنين.
وهو - كذلك - عقيدة في البيان القرآني، فلم يأت الله في لغة القرآن إلا واحداً أحدًا، ليس اثنين، وليس ثلاثة (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) (2) وليس ما لفت أنظار مثيرى هذه الشبهات في الآية المتقدمة هو الوحيد في القرآن، بل له نظائر عميت عنها أبصارهم وبصائرهم:
ففي الآية الثالثة من سورة التوبة نفسها، ورد قوله تعالى:
(.. أن الله بريء من المشركين ورسوله ..) .
لم يقل: إن الله ورسوله بريئان من المشركين، لأن وصف الله بالبراءة من المشركين، وصف توحيدى تابع للواحد الأحد، الذي ليس له مثيل في كل الوجود.
ولذلك قال:"أن الله برئ من المشركين ورسوله"أي ورسوله برئ منهم، والذي دل على هذا، ما ذكره في جانب الله أولاً.
كما تقول: محمد (من أُولي العزم من الرسل، وموسى عليه السلام، أي وموسى من أُولي العزم من الرسل. تثبت الوصف المحذوف لموسى، استناداً إلى ذكر ذلك الوصف خبراً عن محمد، عليهما الصلاة والسلام. هذا ما يفهمه العقلاء من بليغ الكلام.
وفي سورة التوبة نفسها - كذلك - ورد قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنَّا إلى الله راغبون) .
روعيت عقيدة التوحيد في النظم القرآني المعجز المفحم في ثلاثة مواطن:
الأول:"ما آتاهم الله ورسوله"حيث عطف رسوله على اسم الجلالة، دون عود ضمير مثنى.
الثاني:"حسبنا الله"دون عطف رسوله على اسم الجلالة. لأن الحسب لا يكون إلا لله.
الثالث:"سيؤتينا الله من فضله ورسوله"دون أن يُثَنِّي فيقول: من فضلهما.
وإنما عُطِف"رسوله"بعد تمام الجملة الأولى.
ثم حذف من جملة"ورسوله"ما دل عليه الكلام السابق، أي: