ثم قال: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} تأكيد للحجة ؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
ثم قال: {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ} فبيّن الغاية التي تمتدّ إليها العقوبة ، وعيّن البدل الذي ترتفع به.
الثانية وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ؛ قال الشافعيّ رحمه الله: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصّةً ، عرباً كانوا أو عجماً لهذه الآية ؛ فإنهم هم الذين خُصّوا بالذكر فتوجّه الحكم إليهم دون من سواهم ؛ لقوله عز وجل: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] .
ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب.
وقال: وتقبل من المَجُوس بالسُّنّة ؛ وبه قال أحمد وأبو ثَوْر.
وهو مذهب الثَّوريّ وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال الأُوْزاعيّ: تؤخذ الجزية من كل عابد وَثَن أو نار أو جاحدٍ أو مكذّب.
وكذلك مذهب مالك ؛ فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربياً أو عجمياً ، تَغْلَبيّاً أو قرشياً ، كائناً من كان ؛ إلا المرتدّ.
وقال ابن القاسم وأشهب وسُحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأُمم كلها.
وأما عَبَدة الأوثان من العرب فلم يستنّ الله فيهم جزية ، ولا يبقى على الأرض منهم أحد ، وإنما لهم القتال أو الإسلام.
ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم ؛ كما يقول مالك.
وذلك في التفريع لابن الجَلاَّب ، وهو احتمال لا نصّ.
وقال ابن وهب: لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم.
قال: لأنه ليس في العرب مجوسيّ إلا وجميعهم أسلم ، فمن وُجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد ، يقتل بكل حال إن لم يسلم ، ولا تقبل منهم جزية.
وقال ابن الجَهْم: تقبل الجزية من كل مَن دان بغير الإسلام ؛ إلا ما أجمِع عليه من كفار قريش.
وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار ، لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة.