{فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] .
فكأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أعطى المشركين مهلة أربعة أشهر ، والذين لهم عهد أكثر من ذلك يتركون إلى أن تنتهي مدة العهد ، ومن بعد ذلك يكون عقاب المشرك هو القتل ، لماذا؟ لأنه لا يجتمع في هذا المكان دينان .
ولقائل أن يقول: وأين هي حرية التدين؟ ونقول: فيه فرق بين بيئة نزل فيها القرآن بلغة أهلها ؛ وعلى رسول من أنفسهم ، أي يعرفونه جيدا ويعرفون تاريخه وماضيه ، وبيئة لها أحكامها الخاصة بحكم التنزيل ، فأولئك الذين نزل القرآن في أرضهم وجاءت الرسالة على رسول منهم وهو موضع ثقة يعرفون صدقة وأمانته ويأتمنونه على كل نفيس وغال يملكونه ، وكان كل ذلك مقدمة للرسالة ، وكانت المقدمة كفيلة إذا قال لهم إنني رسول الله لم يكذبوه ؛ لأنه إذا لم يكن قد كذب عليهم طوال أربعين سنة عاشها بينهم ، فهل يكذب على الله؟ الذي لا يكذب على المخلوق أيكذب على الله؟ هذا كلام لا يتفق مع العقل والمنطق ؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] .
أي ليس غريبا عليكم ، تعرفونه جيدا حتى إنكم كنتم تأتمنونه على أغلى ما تملكون ، وتلقبونه بالأمين في كل شئون الدنيا ، فكيف ينقلب الأمين غير صادق عندكم؟ كما أن القرآن الكريم وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بلغتكم وأسلوبه من جنس ما نبغتم فيه ، فكان إعجازاً لكم ، وتحداكم الله تعالى بأن تأتوا بسورة من مثله فعجزتم وأنتم ملوك البلاغة والفصاحة ، فكأن الإعجاز من أمانة الرسول وصدقه ، والإعجاز من بلاغة القرآن وتحديه يقتضي منكم الإيمان فيكون عدم الإيمان هنا مكابرة تقتضي عقاباً صارماً .
فإن سأل سائل: أين هي حرية التدين؟ وأين تطبيق قول الحق تبارك وتعالى؟ {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} [البقرة: 256] .