قلت: ومما يدلّ على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا محمد بن كثير قال حدّثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسَر أسيراً فله كذا"وكانوا قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليَسَر بن عمرو بأسيرين ؛ فقال: يا رسول الله ، إنك وعدتنا من قتل قتيلاً فله كذا ، وقد جئتُ بأسيرين.
فقام سعد فقال: يا رسول الله ، إنا لم يمنعنا زيادةٌ في الأجر ولا جُبن عن العدوّ ولكنا قمنا هذا المُقام خشية أن يعطِف المشركون ؛ فإنك إن تُعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء .
قال: وجعل هؤلاء يقولون: فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} فَسَلَّموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نزلت {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} الآية.
وقد قيل: إنها مُحكَمة غيرُ منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين ؛ وكذلك لمن بعده من الأئمة.
كذا حكاه المازَرِيّ عن كثير من أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للإمام أن يخرجها عنهم.
واحتجّوا بفتح مكة وقصة حُنين.
وكان أبو عبيد يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عَنْوَةً ومنّ على أهلها فردّها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فَيْئاً.
ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده.
قلت: وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} والأربعة الأخماس للإمام ، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين.