و"الصاحب"حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه ، ومنه قوله تعالى: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 41] ، وسميت الزوجة صاحبة ، ويطلق مجازاً على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر ، تنزيلاً لملازمة الذكر منزلة ملازمة الذات ، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته ، أم معبد ، لما أخبرته بدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركتَه:"هذا صاحب قريش"، وقولُ الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق"ألَسْتُم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتُم الكفر"يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز ، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم ، وقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي:
كلُّ له نيّةٌ في بُغْض صاحبه...
بنعمة اللَّه نقليكم وتقلونا
فوصفُ الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات: هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره ، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنونٍ} [التكوير: 22] .
والجنة بكسر الجيم اسم للجنون ، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مسّ الجن إيّاه في عرف الناس ، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر ، بحرف الباء الدال على الملابسة.
وإنما أنكر عليهم وعُجّب من إعراضهم عن التفكر في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه غير مجنون ، رداً عليهم وصفهم إياه بالجنون {وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6] ، {وقالوا معلمٌ مجنونٌ} [الدخان: 14] وهذا كقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} [التكوير: 22] .
وجملة: {إن هو إلا نذير مبين} استئناف بياني لجواب سائِل منهم يقول: فماذا شأنه ، أو هي تقرير لحكم جملة: {ما بصاحبهم من جنة} ففصلت لكمال الاتصال بينهما المغني عن العطف.