[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) }
وما أحسنَ ما قال ذو النون المصري، حين قيل له: أين أنت عن يوم ألَستُ؟ فقال: كأنَه الآن في أذني، وما أراد به سماع الصوت، وإنما أراد به تحقيقَ الإيمان والإقرار.
وسئل بعضهم عن أحوال الذرِّيَّة في يوم الميثاق، وأنهم كلهم اعترفوا، فكيف خرج بعضهم إلى الجحد؟
فقال: كلهم قالوا بلى، ولكن عمَّ بعضهم البلاء للقضاء السَّابق.
وفي هذا الوقت الذي أخرج الله ذرِّيَّة آدم رأى نورَ داود.
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدَّين قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أَوَّلُ مَن جَحدَ آدمُ، وذَلكَ لأنَّ الله لما مَسَحَ ظَهرَ آدمَ وأَخرَجَ ما هو ذَارئٌ إلى يَومِ القيَامةِ، فَجَعلَ يَعرِضُ ذرِّيَّته، فرأى رجلًا يَزهَر، فقال: يا ربِّ، مَن هذا؟ فقال: ابنُكَ داودُ، فقال: يا ربِّ، زِد في عُمرِهِ، فقال: لا إلَّا أن تَزيده من عُمرِكَ، وكان عُمرُ آدمَ ألفَ سنةٍ فزادَه أربعين سنة، فكتَبَ الله بِذلِكَ كِتَابًا وأَشهَدَ عليه الملائِكَةَ، فلمَّا احتضَرَ جاءَهُ ملكُ الموتِ فقال: قد بقِيَ لي من عُمري أربَعونَ سنةً، فقال: قد وهبتَها لداودَ، فقال: ما وَهبتُ فأَبرَزَ اللهُ الكِتابَ والشَّهادةَ". وفي رواية:"أتتهُ الملائكةُ".
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"جَحدَ آدمُ فَجَحدَت ذُريَّته"قال ابن عباس: فمن ثَمَّ اتُخِذَت الصِّكَاكُ والشهادات.
وقد أخرجه محمد بن سعد في"الطبقات"، وذكر إسناده كما ذكرنا، وزاد فيه:"فَأَكمَلَ الله لآدم ألفَ سنةٍ، ولداودَ مئةَ سنةٍ".
قال جدي رحمه الله في"المنتظم": الحديث محمولٌ على أنَّ آدم نسي لطول المدَّة، لا أنَّه كان ذاكرًا لذلك ثم جحد، لأنه يكون كذبًا، والأنبياء منزَّهون عن الكذب.
قلت: إلا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نصَّ على أنه جحد، والجحد يحتمل أن يكون معه نسيان ويحتمل أن لا يكون، فإن كان معه نسيان، فهو معذور، وإن لم يكن، فيحتمل أنَّ الله ألهمه أن يكمل له ألف سنة ويتم لداود مئة ولا ينقص من ملكه شيء.
فإن قيل: فلمَ رأى نور داود ولم ير نور محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان نوره أبهى من نور داود؟
قلنا: لما قضي في السَّابق أنَّ داود يوافقه في العصيان، لُفِّقَت بينهما مجانسة الذَّنب في ذلك المكان [1] ، أمَّا محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه قد شاهد نورَهُ على ساق العرش، فسأل الله به وتوسل إليه، فرحمه وتاب عليه. انتهى انتهى {مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي} ...
[1] يشير إلى قصة داوود - عليه السلام - وما ذُكر فيها من سعيه في قتل أوريا بن حنا ليتزوج بامرأته، وهي من الإسرائيليات المنكرة التي تتعارض مع عصمة النبوة، والله أعلم.