[من روائع الأبحاث]
كلام نفيس وجامع للإمام ابن القيم - رحمه الله - فِي الحيل
قال عليه سحائب الرحمة:
فصل
ومن مكايده التي كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه، ومضادته فِي أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه
فإن الرأي رأيان: رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي اعتبره السلف، وعملوا به.
ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار، فهو الذي ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه.
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً، والحق باطلاً والباطل حقاً، فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض.
وقال الإمام أحمد رحمة الله: لا يجوز شيء من الحيل فِي إبطال حق مسلم.
وقال الميمونى: قلت لأبى عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فهل تجوز تلك الحيلة؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز. قلت: أليس حيلتنا فيها أن نتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا فِي شيء اتبعناه؟ قال: بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم.
فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرعه الله له وجاء عن السلف فِي معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة .. وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها.
وغرض الإمام أحمد بهذا: الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت لحصول مقصود الشارع، وبين الطريق التي تسلك لإبطال مقصوده.
فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن فِي النوع الثاني.
قال شيخنا: فالدليل على تحريم هذا النوع وإبطاله من وجوه: