وإذا ترجمنا عبارة داود هكذا (ثقبوا يديّ ورجليّ) كما يترجمونها كان
المعنى أنهم أتلفوهما وهو كناية عن تعطيل جميع قواه وقهره وإذلاله بسبي نسائه
ونساء رجاله وبنيهم وأخذهم الغنائم الكثيرة منهم (1 صمو 30: 3 و 19) ألا ترى
إلى قوله في نفس هذا المزمور 22: 14(كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي.
صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي)إلخ فهل هذه الأشياء وقعت بالفعل؟
وهل انفصلت عظام داود أو المسيح حقيقة وذاب قلبهما؟ أم كل هذا كنايات كقوله:
(ثقبوا يديّ ورجليّ) ؟ وكان داود يدعو الله أن ينصره على أعدائه ويخذلهم وينجيه
من تعيير رجاله له ورغبتهم في رجمه. وقد كان ذلك كله فنصره الله عليهم وقتلهم
واسترد منهم جميع ما أخذوه كما سبق (1 صمو 30: 17 - 19) .
وأمثال هذه الكنايات كثيرة في المزامير وغيرها راجع مثلاً قوله مز 3: 7
(قم يا رب. خلصني يا إلهي؛ لأنك ضربت كل أعدائي على الفك. هشمت أسنان
الأشرار) ومزمور 18 و 35.
أما المسيح عليه السلام فلم ينجه الله تعالى - على قولهم - من يد أعدائه بل
أخذوه وعذبوه وصلبوه وقتلوه مع أن مقتضى المزمور الذي نحن بصدده أن الله
استجاب دعاء داود ونجَّاه من أعدائه ومن الكرب الذي كان فيه (انظر عدد 24 منه)
فكيف إذًا ينطبق هذا على المسيح؟!
(برهانهم الرابع) ما ورد في الإصحاح الثاني عشر والثالث عشر من سفر
زكريا. اعلم أن الإصحاح الثاني عشر هو نبوءة عن يهوذا المكابي وملخص قصته
كما في التواريخ المسيحية وكما في سفر المكابيين المقدس عند الكاثوليك وعند
الأرثوذكس أن ثلاثة من الكهنة الأشرار منهم واحد يسمى (الكميس) جمعوا حولهم
نفرًا من قومهم اليهود وذهبوا إلى انتيوخس ملك سوريا اليوناني ووشوا إليه
بالآخرين من أمتهم وحرضوه عليهم فانقاد الملك لرأيهم وسار إلى أورشليم وسلب ما
في الهيكل فهرب من بقي في المدينة وولى على اليهود واحدًا من قواده وأمره أن
يطلب من اليهود أن يسجدوا لأصنامه وأن يأكلوا لحم الخنزير وأن يتركوا الختان
وكان يقتل كل من لم يقبل ذلك وكان أكثرهم طاعة الكهنة الثلاثة المذكورون سابقًا