{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا}
كلامٌ مستأنفٌ مقرّرٌ لمضمون ما قبله بطريق التذييلِ أي خلقنا {لِجَهَنَّمَ} أي لدخولها والتعذيبِ بها، وتقديمُه على قوله تعالى: {كَثِيراً} أي خلقاً كثيراً مع كونه مفعولاً به لما في توابعه من نوع طولٍ يؤدي توسيطُه بينهما وتأخيرُه عنها إلى الإخلال بجزالة النظمِ الكريم وقوله تعالى: {مّنَ الجن والإنس} متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لكثيراً أي كائناٍ منهما وتقديمُ الجنِّ لأنهم أعرقُ من الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثرُ عدداً وأقدمُ خلقاً، والمرادُ بهم الذين حقت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة لكن لا بطريق الجبرِ من غير أن يكون مِنْ قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحوَ الحقِّ أبداً بل يُصِرُّون على الباطل من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبارِ جُعل خلقُهم مُغيّاً بها كما أن جميعَ الفريقين باعتبار استعدادِهم الكامِل الفطري للعبادة وتمكنِهم التامِّ منها جُعل خلقُهم مغيّاً بها كما نطق به قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}