قوله: (وأملي لهم)
والإملاء إفعال وهو الإمهال، وهمزة هذا المصدر منقلبة عن واو، مشتق من الملاوة مثلثة الميم، وهي مدة الحياة يقال أملاه وملاه إذا أمهله وأخّره، كلاهما بالألف دون همز فهو قريب من معنى عَمره، ولذلك يقال في الدعاء بالحياة ملاك الله.
واللام في قوله: {لهم} هي اللام التي تسمى: لام التبيين، ولها استعمالات كثيرة فيها خفاء ومرجعها: إلى أنها يقصد منها تبيين اتصال مدخولها بعامله لخفاء في ذلك الاتصال، فإن اشتقاق أملى من الملو اشتقاق غير مكين، لأن المشتق منه ليس فيه معنى الحدث، فلم يجئ منه فعل مجرد، فاحتيج إلى اللام، لتبيين تعلق المفعول بفعله.
وأما قولهم: أملى للبعير بمعنى أطال له في طِوَله في المرعى، فهو جاء من هذا المعنى بضرب من المجاز أو الاستعارة.
فجملة: {إن كيدي متين} في موضع العلة للجملتين قبلها، فإن الاستدراج والإملاء ضرب من الكيد، وكيد الله متين أي قوي لا انفلات منه للمكيد.
وموقع (إن) هنا موقع التفريع والتعليل، كما قال عبد القاهر: إنها تغني في مثل هذا الموقع غَناء الفاء، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {إن أول بيتٍ وضع للناس} في سورة آل عمران (96) ، أي: يكون ذلك الاستدراج وذلك الاملاء بالغين ما أردناه بهم لأن كيدي قوي.
ولما كان {أملي} معطوفاً على {سنستدرجهم} ، فهو مشارك له في الدخول تحت حكم الاستبقال، أي: وسأملي لهم.
والمغايرة بين فعلي (نستدرج) و (أملي) في كون ثانيهما بهمزة المتكلم، وأولهما بنون العظمة مغايرة اقتضتها الفصاحة من جهة ثقل الهمزة بين حرفين متماثلين في النطق في {سنستدرجهم} وللتفنن والاكتفاء بحصول معنى التعظيم الأول.