واعلم أن قوله - عز وجل: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)
قد تقدم الكلام في هذه الآية مع نظيرتها في سورة آل عمران، وأن هذه نص على عهد الربوبية،
وتلك نص على عهد النبوة والرسالة والتبليغ والنصيحة والنصر لله والإيمان
بذلك أبطن في تلك ذكر الربوبية كما أبطن في هذه ذكر عهد النبوة، وإن
كان قد أشار إلى ما بطن في هذه وهذه بقوله:(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافِلِينَ ... ).
كما أشار في تلك إلى عهد الربوبية في قوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ... ) .
قوله - جلَّ جلالُه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا)
إلى آخر المعنى، اختلف الناس فيمن يُسمى بهذا فقال قوم: هو بلعام بن
[باعوراء] .
وقبل: باعير.
وقال آخرون: هو البسوس عابد من بني إسرائيل، قيل: كانت له ثلاث دعوات
استنفذهن على ما ذكروه في امرأته، فالله أعلم أكان ذلك أم لا.
وقال قوم: هو أمية بن أبي الصلت.
وقال قوم: نزلت في راهب بن صيفي.
وقال قوم: إنها نزلت مثلاً في اليهود والنصارى، وكل من آتاه الله من آياته
وعِلْمِه وكتابه فانسلخ من ذلك، فهو المعني هنا ثم اختلفوا في القصص عن
هؤلاء المذكورين، وأنا ذاكر طرفًا من قصص أمية بن أبي الصلت؛ لقرب طريقه،
وتارك ذكر قصص ما قصَّ في شأن أولئك؛ لبعد الطريق إلى الوقوف على
صحته أو سقمه كان ابتداء أمره أنه قرأ الكتب، وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في
ذلك الوقت؛ وظن أنه هو ذلك الرسول؛ لأنه كان فيما يذكر قد أوتي بينة من
الأمر، وأظهر له أشباهًا تقارب.
فلما بعث الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - شرق للأمر حسدًا وأنفة، ومرَّ في بعض
أسفاره على قتلى بدرٍ فسأل عنهم فقيل له:"قتلهم محمد"فقال:"لو كان نبيًّا ما"