[من روائع الأبحاث]
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
فإن قيل: فكيف أقدم موسى على طلب الرؤية؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه لما سمع الكلام وطاب له طار قلبه شوقًا إلى المتكلم، ولما رأى التكليم يُبْدأ قبل السؤال قال لسانُ طَمَعِهِ: لا عَتْبَ عليَّ إذا سألت من ابتدأني بالتفضل.
والثاني: لأنَّ كلَّ جارحةٍ منه أحسَّتْ بحظها من الكلام، فطمعتْ عيناه في نصيبها وقال: هذه لذة الكلام فكيف لذة النظر؟
والثالث: لأن طبع المحبِّ الترقي من حال إلى حال أرفع منها، فلما حصل على الكلام طلب ما هو أعلى.
والرابع: ليتميزَ على من تَقَدَّمه من الأنبياء فيجمع بين الكلام والنظر.
والخامس: لأنه لما ناجى الله تعالى وسوس إليه إبليس وقال: إن الذي يناجيك شَيطان.
ولهذا روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: جاء إبليس وموسى يناجي ربه فوقف قريبًا منه فقال له بعض الملائكة: يا ملعون، ما الذي ترجو منه في هذا الوقت؟ قال: ما رجوتُ من أبيه آدم، فقال: {أَرِنِي} ليزول الوسواس [1] .
والسادس: أنه سكر من شراب الكلام، والسكران لا يفيق من خماره إلا بشربة ثانية كما قيل:
تداويت من ليلى بليلى عن الهوى
فإن قيل: فلمَ منعه الرؤية؟
فالجواب من وجوه.
أحدها: أنه {لَنْ تَرَانِي} خرج جوابًا لموسى، لأنه سأل ما لم يكن في الدنيا فأخبره بالمستحيل.
والثاني: أنَّ الرؤية غاية الكرامة ومنتهى المنزلة إذ ليس بعدها منزلة فلو حصلت في الدنيا لموسى لم يبقَ لها في الجنة التي هي دار الكرامة معنى، فإذا كان يوم القيامة أكرم الله بها أكرمَ عبادِه، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - صلى الله عليه وسلم:"أنا أوَّلُ مَن يطرقُ بَابَ الجنَّة"و"الجنَّةُ محرَّمة على الأنبِيَاءِ حتى أَدخُلَها".
فكأنه يقول: لن تراني قبل محمد فلا تطمع فيما ليس لك.
وقال عبد الله بن المبارك: لما كانت الدنيا فانية، والأبصار فانية، والحق سبحانه باق، لم يحسن أن ينظر الفاني في الفاني إلى الباقي، فإذا كان يوم القيامة، خلق الله لنا دارًا باقية وأبصارًا باقية فننظر بالباقي إلى الباقي في الباقي.
[1] لا يخفى ما في هذا الوجه والذي يليه من فساد وبطلان، وإلا فكيف يوثق بالشرائع والوحي إذا تدخل فيها الشيطان. (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) ..