117 - {وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى} على لسان جبريل بـ {أَنْ أَلْقِ عَصاكَ} فألقاها، فلما ألقاها {فَإِذا هِيَ} ؛ أي: العصا {تَلْقَفُ} ؛ أي: تأخذ وتبتلع {ما يَأْفِكُونَ} ؛ أي: ما يكذبون فيه من الحبال والعصى، ويقلبونه من الحق إلى الباطل؛ لأنّه لا حقيقة له في الواقع، بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة؛ أي: ولما ألقى موسى العصا .. صارت حية عظيمة، حتى سدت الأفق، ثم فتحت فكها، فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مائة بعير، فلما أخذها موسى .. صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم أصلا.
وظاهر السياق يقتضي أن إلقاء العصا وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون: الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت سابقا بقوله: {فَأَلْقى عَصاهُ} الخ، والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها حية أيضا مرة أخرى قبل هاتين المرتين، ولم يكن حاضرا هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت هذه المرة في صورة طه في قوله: {وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (9) إِذْ رَأى نارًا إلى قوله: قالَ أَلْقِها يا مُوسى (19) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (20) } .
وقرأ حفص: {تَلْقَفُ} ، بسكون اللام من لقف، من باب علم وفهم، وقرأ باقي السبعة بفتح اللام وتشديد القاف، من تلقف يتلقف، من باب تفعل الخماسي، حذفت إحدى تائيه، إذ الأصل: تتلقف، وقرأ البزي بإدغام تاء المضارعة في التاء في الأصل، وقرأ ابن جبير {تلقم} بالميم؛ أي: تبلع كاللقمة
قال الشاعر:
أنت عصا موسى الّتي لم تزل ... تلقم ما يأفكه آلسّاحر
118 - {فَوَقَعَ الْحَقُّ} ؛ أي: فظهر الحق الذي جاء به موسى، وثبت {وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} من السحر؛ أي: ظهر بطلانه وفساده. وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، فلما فقدت .. ثبت أن ذلك حصل بقدرة الله تعالى، لا لأجل السحر، فتبين لمن حضره وشهده أنّ موسى رسول من عند الله، يدعو إلى الحق، وأنّ ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله