الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... (85) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ.
"وَمَدْيَنُ: هُمْ وَلَدُ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ"
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ: فَمَدْيَنُ قَبِيلَةٌ كَتَمِيمَ.
وَزَعَمَ أَيْضًا ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ شُعَيْبًا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ وَلَدِ مَدْيَنَ هَذَا، وَأَنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُر، قَالَ: وَاسْمُهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ بَثْرُونُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى وَلَدِ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَ بْنَ مِيكِيلَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَتَرْكِ السَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: يَا قَوْمُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ غَيْرُ الْإِلَهِ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَبِيَدِهِ نَفْعُكُمْ وَضَرُّكُمْ.
{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ، يَقُولُ: قَدْ جَاءَتْكُمْ عَلَامَةٌ وَحُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِحَقِيقَةِ مَا أَقُولُ وَصِدْقِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.
{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ}
يَقُولُ: أَتِمُّوا لِلنَّاسِ حُقُوقَهُمْ بِالْكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ بِهِ وَبِالْوَزْنِ الَّذِي تَزِنُونَ بِهِ.
{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ، يَقُولُ: وَلَا تَظْلِمُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ وَلَا تُنْقِصُوهُمْ إِيَّاهَا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: تَحَسَبُهَا حَمْقَاءَ وَهِيَ بَاخِسَةٌ، بِمَعْنَى ظَالِمَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}
يَعْنِي بِهِ: رَدِيءٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} ، يَقُولُ: وَلَا تَعْمَلُوا فِي أَرْضِ اللَّهِ بِمَعَاصِيهِ وَمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ نَبِيَّهُ، مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَالْإِشْرَاكِ بِهِ وَبَخْسِ النَّاسِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}