{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [79] .
{فَتَوَلَّى} أي: فأعرض صالح: {عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} المتضمنة لتخويف العذاب عنه {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} أي: من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهوايتكم.
والظاهر أن صالحاً عليه السلام كان مشاهداً لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما أبصرهم جاثمين، تولِّيَ مُغتمٍّ متحسرٍّ على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله
{يا قَوْمِ} الخ، كذا في"الكشاف"، أو خاطبهم خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
أهل قليب بدر حيث قال: (إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً) - كما رواه البخاري - لا تحزناً، ولكن إعلاماً بنصر الله له، وتحقيق رسالته، زيادةً في حزنهم وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. كما في"الصحيح". ويجوز عطف قوله
{فَتَوَلَّى} على قوله: {فأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ، فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم تولي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر الأول لظهور الفاء في التعقيب - والله أعلم -.
تنبيهات
الأول: نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود، لمكان العظة والإعتبار مفصلاً، وإلا فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه لفقد
القطع به، اللهم إلا لزيادة الإتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) .