قولَه: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم}
مفتتحاً الجملةَ بالاستفهام الإنكاري بعد واو العطف، وهذا مشعر بأنّهم أحالوا أن يكون رسولاً، مستدلّين بأنّه بشر مثلهم، كما وقعت حكايته في آية أخرى {ما هذا إلاّ بشر مثلكم يريد أن يتفضّل عليكم} [المؤمنون: 24] .
واختير الاستفهام دون أن يقول: لا عَجب، إشارة إلى أنّ احتمال وقوع ذلك منهم ممّا يتردّد فيه ظن العاقل بالعقلاء.
فقولهّ: {أو عجبتم} بمنزلة المنع لقضية قولهم: {إنا لَنَراك في ضلالٍ مبين} [الأعراف: 60] لأنّ قولهم ذلك بمنزلة مقدمةِ دليل على بطلان ما يدعوهم إليه.
وحقيقة العَجَب أنّه انفعال نفساني يحصل عند إدراك شيء غير مألوففٍ، وقد يكون العجب مشوباً بإنكار الشّيء المتعجب منه واستبعاده واحالته، كما في قوله تعالى: {بل عَجِبُوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أإذا مِتْنَا وكُنَّا تراباً ذلك رَجْع بعيد} [ق: 2، 3] وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: {وإنْ تَعْجَب فَعَجَبٌ قولهم أإذا كنا تراباً إنَّا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربّهم} [الرعد: 5] والذي في هذه الآية كناية عن الإنكار كما في قوله تعالى: {قالوا أتَعْجَبين من أمر الله} [هود: 73] أنكروا عليها أنّها عدت ولادتها ولَدا، وهي عَجوز، مُحالاً.
وتنكير {ذِكْرٌ} و {رَجُلٍ} للنّوعية إذ لا خصوصية لذِكْر دون ذِكْر ولا لِرَجُل دون رَجل، فإنّ النّاس سواء، والذّكْر سواء في قبوله لمن وفقه الله ورده لمن حُرم التّوفيقَ، أي هذا الحدث الذي عظمتموه وضجِجتم له ما هو إلاّ ذِكْر من ربّكم على رَجُل منكم.