57 -قوله تعالى: {وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته}
مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: {نُشْرًا} . يقال أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء.
قال المرّار:
وَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ ... لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا
ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال:
إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ
فقوله: {نُشُرًا} جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ {الرِّيَاحَ} بالجمع حسن وصفها بقوله: {نُشُرًا} لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ {الرِّيح} واحدة {نُشُرًا} جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء والبعير، وكقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة:
فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ
وقرأ ابن عامر: {نُشْرًا} خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي {نَشْرًا} ؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: {نَشْرًا} مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى:
يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ