فصل
قال الفخر:
اعلم أن هوداً عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة، وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات، والجماد لا قدرة له على شيء أصلاً، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم.
ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله، وأن لا يعبدوا شيئاً من الأصنام، ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد، هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هوداً عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد.
فقالوا: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا} ثم قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} وذلك لأنه عليه السلام قال: {اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] فقوله: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد فلهذا المعنى قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعتقدون كونه كاذباً بدليل أنهم قالوا له: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين} [الأعراف: 66] فلما اعتقدوا كونه كاذباً قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذباً، وإنما قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 14 صـ 129}