فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 167614 من 466147

(فصل: في المواعظ والرقائق)

قال ابن الجوزي:

(فصل أدعياء العلم)

عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت سلموا، لأن من أمر ما جاء ومر من غير اعتراض ولا تعرض فما قال شيئاً لا له ولا عليه.

ولكن أقواماً قصرت علومهم، فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا.

وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحته الخنساء فقالت:

إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة شفاها

فلما أتمت القصيدة، قال: لكاتبه اقطع لسانها، فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى.

فقالت له: ويلك إنما قال أجزل لها العطاء.

ثم ذهبت إلى الحجاج فقالت: كاد والله يقطع مقولي.

فكذلك الظاهرية الذين لم يسلموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد، لم ألمه، وهذه طريقة السلف.

فأما من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استولى على العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل.

ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له ابن عبد البر، صنف كتاب التمهيد، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش. لأنه لولا ذلك لما كان لقوله ينزل معنى.

وهذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجل لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام. فقاس صفة الحق عليه.

فأين هؤلاء وأتباع الأثر؟.

ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين.

واعلم أيها الطالب للرشاد، أنه سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان. عليهما مر الأحاديث كلها.

أما النقل فقوله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . ومن فهم هذا لم يحمل وصفاً له على ما يوجبه الحس.

وأما العقل فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع.

وا عجباً كل العجب من راد لم يفهم طبيعة الكلام؟.

أوليس في الحديث الصحيح أن الموت يذبح بين الجنة والنار.

أوليس العقل إذا استغنى في هذا صرف الأمر عن حقيقته. لما ثبت عند من يفهم ماهية الموت؟.

فقال: الموت عرض يوجب بطلان الحياة. فكيف يمات الموت؟.

فإذا قيل له فما تصنع بالحديث؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت