{يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) }
يجيء في موقع هذه الجملة: من التّأويل، ما تقدّم في القوللِ في نظيرتها وهي قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} [الأعراف: 26] .
والتّأويل الذي استظهرنا به هنالك يبدو في هذه النظيرة الرّابعة أوضحَ.
وصيغة الجمع في قوله: {رسل} وقوله {يقصون} تقتضي توقّع مجيءِ عدّةِ رسل، وذلك منتف بعد بعثة الرّسول الخاتم للرّسل الحاشر العاقب عليه الصّلاة والسّلام، فذلك يتأكّد أن يكون هذا الخطاب لبني آدم الحاضرين وقت نزول القرآن، ويرجح أن تكون هذه النّداآت الأربعة حكاية لقولٍ موجّه إلى بني آدم الأوّلين الذي أوّلُه: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] .
قال ابن عطيّة:"وكأنّ هذا خطاب لجميع الأمم، قديمها وحديثها، هو متمكّن لهم، ومتحصّل منه لحاضري محمّد صلى الله عليه وسلم أنّ هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه"يريد أنّ الله أبلغ النّاس هذا الخطابَ على لسان كلّ نبيء، من آدم إلى هلم جرّا، فما من نبيء أو رسول إلاّ وبلَّغه أمَّته، وأمَرَهم بأن يبلغ الشّاهد منهم الغائبَ، حتّى نزل في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فعلمت أمّته أنّها مشمولة في عموم بني آدم.
وإذا كان ذلك متعيّناً في هذه الآية أو كالمتعيّن تعيّن اعتبار مثله في نظائرها الثّلاث الماضية، فشد به يدك.
ولا تعبأْ بمن حَرَدك.
فأمَا إذا جعل الخطاب في هذه الآية موجّهاً إلى المشركين في زمن النّزول، بعنوان كونهم من بني آدم، فهنالك يتعيّن صرف معنى الشّرط إلى ما يأتي من الزّمان بعد نزول الآية لأنّ الشّرط يقتضي الاستقبال غالباً.