26 -ويقول سبحانه وتعالى: {يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ} بقدرتنا من سمائنا لتدبير أموركم {لِباسًا يُوارِي} ويستر {سَوْآتِكُمْ} وعوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطروا إلى لزق الأوراق، فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس يعني: ثياب القطن وغيره كالصوف والوبر والشعر {وَ} أنزلنا عليكم لباسا {رِيشًا} لكم؛ أي: يكون زينة لكم؛ أي: لباسا يزين لابسه كالريش الذي يزين الطائر، استعير من ريش الطائر؛ لأنه لباسه وزينته، وذلك كالحرير والخز والقز وحلي الذهب والفضة؛ أي أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسا يواري سؤاتكم ولباسا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح. والمعنى: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة منها كالمطر، فهو سبب لنبات القطن والكتان وغيرهما كالتوت، ولمعيشة الحيوانات ذوات الصوف وغيره فبهذا الاعتبار كأن اللباس نفسه أنزل من السماء، ونظير هذا: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ... } إلخ. {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ... } إلخ. ومعنى إنزال ما ذكر من السماء: إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة، وافتن الناس في استعماله بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى، وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد، ولا سيما في هذا العهد الذي وفيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية. ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة في استعمالها، والإسلام دين الفطرة، وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله في الخليقة.
وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن جيش وعاصم في رواية وأبو عمرو في رواية: ورياشا فقيل: هما مصدران بمعنى واحد، يقال: راشه الله يريشه ريشا ورياشا إذا أنعم عليه.