(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
ذكر أَن عبد الله بن سهل التسترِي رَحمَه الله قَالَ لما أخرج آدم من الْجنَّة دَار الْكَرَامَة والأمان وأنزله إِلَى دَار الذل والهوان وَالْبَلَاء والامتحان قَالَ الله تَعَالَى يَا ابْن آدم أسكنتك فِي جواري فعصيتني وأطعت الشَّيْطَان وتركتني وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأسكننك فِي جواره لتطيعني وتعصيه وتحبني وتبغضه فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَقُول لَك طَاعَة بِطَاعَة ومعصية بمحبة ثمَّ أدْخلك الْجنَّة
جَاءَ فِي بعض الْأَخْبَار أَن الله تبَارك وَتَعَالَى لما خلق آدم وَولده أودع قلبه أَرْبَعَة أَشْيَاء وَهِي الْمعرفَة وَالْعقل وَالْإِيمَان وَالْيَقِين
فَصَارَ خزانَة لهَذِهِ الْأَشْيَاء وسلط على قلبه أَرْبَعَة أَعدَاء وهم إِبْلِيس والهوى وَالنَّفس وَالدُّنْيَا وَضمن إِبْلِيس لأَصْحَابه الْوُصُول إِلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه {ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم} [سورة الْأَعْرَاف 17] فَلَمَّا علم الْمولى جلّ جَلَاله من ضعف ابْن آدم وَقلة مقدرته على مدافعته علمه أَرْبَعَة أَسمَاء من أَسْمَائِهِ يتحصن بهَا من إِبْلِيس وَجُنُوده وَهِي يَا أول يَا آخر يَا ظَاهر يَا بَاطِن فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى يَا ابْن آدم أَنا الأول أحفظ معرفتك لي من بَين يَديك وَأَنا الآخر أحفظ عقلك وَأَنا الظَّاهِر أحفظ إيمانك عَن يَمِينك وَأَنا الْبَاطِن أحفظ يقينك عَن شمالك.
(اخْتِصَاص إِبْلِيس بِبَعْض الْجِهَات)
سُئِلَ بعض الْحُكَمَاء مَا الْحِكْمَة فِي أَن لم يُعْط إِبْلِيس اثْنَان من ابْن آدم وَأعْطى أَرْبَعَة، أعطي من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَعَن يمنيه وَعَن شِمَاله من الْجِهَات الْأَرْبَع، لم يُعْط إِبْلِيس أَن يَأْتِيهِ من فَوق وَلَا من تَحت قَالَ لِأَن الْأَرْبَع جِهَات تدْخلهَا الْمُشَاركَة فِي الْأَعْمَال وَفَوق مَوضِع نظر الرب جلّ جَلَاله إِلَى قُلُوب عباده الْمُؤمنِينَ، وَتَحْت مَوضِع سُجُود الساجدين بَين يَدي رب الْعَالمين.
عصمنا الله وَإِيَّاكُم من فتنته عصمَة يدخلنا بهَا فِي رَحمته وَتَابَ علينا وعَلى جَمِيع المذنبين إِنَّه تواب رَحِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...