[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ(9)
ذكر العز: أي يُكذبون بها أو يكفرون بها ظالمين - على التضمين - وقال الآلوسي: بآياتنا متعلق بـ يظلمون وقُدم عليه بالفاصلة وعُدِّي الظلم بالباء لتضمَّنه معنى التكذيب أو الجحود.
وقال أبو حيان: ويتعلق (بآياتنا) بقوله يظلمون، تضمن معنى يُكذبون أو لأنها بمعنى يجحدون، وجحد يتعدى بالباء قَالَ تَعَالَى: (وَجَحَدُوا بِهَا) .
أقول: ولعل يستخفون ويستهينون أظهر في تصوير موقفهم من
(يكفرون) ، فالاستخفاف من أقبح الظلم وأشد الكفر لأنه استهانة بآيات الله، وأقوى صلة بخفة الموازين، وشناعةِ الخسران المهين. وما دام الوزن هو الحق فلا مغالطة مع الميزان، ولا تلبيس. لقد خسروا أنفسهم باستخفافهم بآيات ربهم، فماذا يبقى بعد أن تخِف موازينُه ويخسرَ الإنسان نفسه!
فالتضمين جعل الظلم هنا يتسع إهابه لمعنى الاستخفاف غير محتبس في منظور ضيق حدده له السياق سياق الخسران، وانعقدت من ورائه مقابلة بين الخفة والاستخفاف، أفصحت عن صورة من صور الإعجاز نضرها لنا التضمين وفتق أكمامها فالجزاء من جنس العمل.
لم ورد التعبير بالظلم ولم يرد بالاستخفاف؟.
لو جاء - بآياتنا يستخفون - لغاب عنا معنى طمس الحقيقة، والذي ينضوي تحت كنف الظلم، فاستوفى بالظلم بيان السبب واستقصى شرح علته.
فاللفظ في القرآن يمتاز بالتعبير عن أكثر من مدلول: يحمل معنى، ويومئ إلى معنى، ويستَتْبع معنى، مع التناسق العجيب بين هذه المداليل، فلا يُغني لفظ عن لفظٍ في موضعه، وكل مدلول يستوفي حظّه من الوضوح.
وقليل من الناس اليوم قادرون على تذوق التعبير القرآني والاستمتاع بخصائصه الفنية لبُعدهم عن أساليبه وانصرافهم عن إعجازه. كل لفظ زهرة، وكل زهرة ابتسامة تحتها سرّ دفين.
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ...(12)
ذكر الزمخشري: أن (لا) صلة، فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل وتحقيقه. فإن قلت: لم سأله عن المانع وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ.
وقال أبو حيان: الظاهر أن (لا) زائدة تفيد التوكيد والتحقيق. وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك، يدل على زيادتها قوله تعمالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) . وسقوطها في هذا دليل على زيادتها.