وقيل: يقدر محذوف: ما منعك فأحوجك ألا تسجد. وقيل: ما منعك مَن أمرك، ومَن أمرك ألا تسجد.
وقال القرطبي: قيل: (لا) زائدة، فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد أو من دعاك إلى ألا تسجد.
وقال الطبري: ما منعك من السجود فأحوجك أو فأخرجك أو فاضطرك إلى ألا تسجد له.
أقول: في مشهد مثير واحتفال مَهيب يحشد له الجليل في الملأ الأعلى ملائكته وفيهم إبليس، وتشهده السماوات والأرض، يعلن فيه ميلاد الإنسان ويأمرهم بالسجود له زيادة في تكريمه. ويسجد لهذا المخلوق الجميع ما عدا إبليس إذ جعل لنفسه حقا فيما يرى في تنفيذ ما يتلقاه من الأوامر، فكشف عن طبيعته الشريرة والأصيلة وليست العارضة: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) تصوير يشخص الخلجات النفسية والمعاني العقلية.
أما من ادعى زيادتها فمتسرع لم يتحرَّ الكيس في دعواه ولم يسلك طريق المعرفة بها ليُكشفَ له عنها. ومن قال مؤكدة، فماذا تؤكد ثبوت المنع أم نفيه؟ أو قال للتحقيق، فماذا تحقق؟ ومن ادعى أن المنع مجاز عن الاضطرار، فقد رد عليه السكاكي: بأنه لا قرينة في هذا المجاز، وأنه من باب التضمين ما حملك على ألا تسجد، ولعل تضمين (منع) معنى (حدا) أظهر للمعنى في هذا السياق وأسْير، فما حداك على ألا تسجد، والعلاقة بين المنع والحدو وشيجة فكلاهما فيه حمل النفس على ما تكره من أمر السجود، وإلجاؤها إلى ما يؤدي بها إلى الهلاك في رفضها للأمر - إذ أمرتك - وقسرها وقهرها على طاعة مولاها. فالمنع في الأعراف جاء مصحوبا بظرف (إذ أمرتك) ومعناه: ما حداك على ألا تسجد حين أصدرت أمري إليك؟ فرفْض السجود هو بالتالي رفْض الأوامر.
وتقرير حال أوضاع الحروف يوجهنا كيف تسري أحكامها في أحناء الآية فنحمل المعنى على التضمين لننجو من آفة زيادة الحروف.