(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ... (22) }
قال ابن عباس: ما ظنَّ آدم أنَّ أحدًا يحلف بالله ويكذب. فبادرت حواء إلى الأكل من الشجرة، ثم ناولت آدم فأكل منها.
وقال مقاتل بن سليمان: قال لهما إبليس: ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا حسدًا لكما، لأنه علم أنكما متى أكلتما منها علمتما الغيب، وزاحمتماه في ملكه وغيبه.
وقال مجاهد: حلف لهما سبعين يمينًا، فذلك قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] .
وقال مقاتل: فأخذت حوَّاء من الشجرة خمس حبَّات، فأكلت اثنتين وأخفت ثلاثًا، قال: فلذلك صار النساء يسرقن. وفي رواية عنه: أنها أخذت سبع حبَّات، فدفعت إلى آدم حبَّتين، وقالت: إنما أخذت واحدة، فلذلك صار للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال مقاتل أيضًا: تقدَّمت إلى الشجرة فأكلت منها ثم قالت: يا آدم، قد أكلت فلم تضرَّني، فتقدَّم فأكل منها.
وحكى أبو إسحاق الثعلبي في"تفسيره"عن سعيد بن المسيَّب: أنه كان يحلف بالله لا يستثني أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حوَّاء سقته الخمر حتى سكر، ثم قادته إلى الشجرة فأكل منها.
قلت: والعجب من حكاية الثعلبي مثل هذا عن سعيد بن المسيَّب، وهو إمام وقته في العلم والزهد والورع والتحرُّز في أقواله عن مثل هذا.
ثم قد اتفق العلماء على أنَّ خمر الجنَّة لا يسكر ولا يذهب بالعقول، قال الله تعالى {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) } [الواقعة: 19] وقال الله تعالى {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا} [الطور: 23] وهو السكر، والمراد من الخمر إنما هو حصول اللَّذة المطربة، وذلك حاصل في الجنَّة بدون سكر، فإنه مباح لأهل الجنة مع بقاء عقولهم، وبهذا فارق خمرَ الدنيا.
وإنما اللَّائق بحال آدم أنه إنما أكل متأوِّلًا للكراهة دون التحريم، وذلك قبل النبوَّة، لأنه نهي عن شجرة فأكل من جنسها ظنًّا منه أنَّ المراد غير تلك التي نهي عنها لا التي أكل منها. على أنَّ الله تعالى قد عذره بكونه أكل ناسيًا فقال: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) } [طه: 115] .