[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال الماوردي:
قِيلَ: مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا فَقَدْ اسْتَهْدَفَ فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدْ اسْتَعْطَفَ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدْ اسْتَقْذَفَ. وَقَدْ مَضَتْ أَبْوَابٌ تَضَمَّنَتْ فُصُولًا رَأَيْتُ إتْبَاعَهَا بِمَا لَمْ أُحِبَّ الْإِخْلَالَ بِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ حَالُ الْإِنْسَانِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ:
حَاجَةٌ مَاسَّةٌ وَشَهْوَةٌ بَاعِثَةٌ.
فَأَمَّا الْحَاجَةُ فَتَدْعُو إلَى مَا سَدَّ الْجُوعَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ.
وَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْجَسَدِ.
وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ بَيْنَ صَوْمِ الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْجَسَدَ وَيُمِيتُ النَّفْسَ وَيُعْجِزُ عَنْ الْعِبَادَةِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْعَقْلُ، وَلَيْسَ لِمَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ قَدْرَ الْحَاجَةِ حَظٌّ مِنْ بِرٍّ، وَلَا نَصِيبٌ مِنْ زُهْدٍ؛ لِأَنَّ مَا حَرَمَهَا مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ بِالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَأَعْظَمُ أَجْرًا، إذْ لَيْسَ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ ثَوَابٌ يُقَابِلُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ، وَإِتْيَانَ الْقُرَبِ، وَمَنْ أَخْسَرَ نَفْسَهُ رِبْحًا مَوْفُورًا، أَوْ أَحْرَمَهَا أَجْرًا مَذْخُورًا، كَانَ زُهْدُهُ فِي الْخَيْرِ أَقْوَى مِنْ رَغْبَتِهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ إلَّا الشَّهْوَةُ بِرِيَائِهِ وَسُمْعَتِهِ.
وَأَمَّا الشَّهْوَةُ فَتَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: شَهْوَةٌ فِي الْإِكْثَارِ وَالزِّيَادَةِ وَشَهْوَةٌ فِي تَنَاوُلِ الْأَلْوَانِ الْمُلِذَّةِ.
فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَهُوَ شَهْوَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْإِكْثَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ نَهَمٌ مُعَرٍّ وَشَرَهٌ مُضِرٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالْبِطْنَةَ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلدِّينِ مُورِثَةٌ لِلسَّقَمِ مُكْسِلَةٌ عَنْ الْعِبَادَةِ» .