وقوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} خبر أن سعايته تفعل ذلك ظناً منه وتوهماً في خلقة آدم حين رأى خلقته من أشياء مختلفة فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي طاعته كالغل والحسد والشهوات ونحو ذلك، قال ابن عباس وقتادة: إلا أن إبليس لم يقبل أنه يأتي بني آدم من فوقهم ولا جعل الله له سبيلاً إلى أن يحول بينهم وبين رحمة الله وعفوه ومنّه، وما ظنه إبليس صدقه الله عز وجل. ومنه قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} [سبأ: 20] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبينه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:"يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة"ونحوه مما يخص أمة محمد عليه السلام:"ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود".
قال القاضي أبو محمد: وقوله كالشعرة يحتمل أن يريد شعرة واحدة وهو بعيد لأن تناسب الحديث الأول يرده، ويحتمل أن يريد الشعرة التي هي للجنس، والقصد أن يشبههم بثور أسود قد أنبتت في خلال سواده شعرة بيضاء، ويحتمل أن يريد اللمعة من الشعر الأبيض، وهذا فيه بعد، و {شاكرين} معناه مؤمنين لأن ابن آدم لا يشكر نعمة الله إلا بأن يؤمن، قاله ابن عباس وغيره. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}
قوله تعالى: {ثم لآتينَّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم}
فيه سبعة أقوال.
أحدها: {من بين أيديهم} أشككهم في آخرتهم، {ومن خلفهم} أرغبهم في دنياهم، {وعن أيمانهم} أي: من قِبل حسناتهم، {وعن شمائلهم} من قِبل سيئاتهم، قاله ابن عباس.
والثاني: مثلُه، إلا أنهم جعلوا {من بين أيديهم} الدنيا، {ومن خلفهم} الآخرة، قاله النخعي، والحكم بن عتيبة.