(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «الأعراف»
1 -قال تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الآية 2] .
قالوا: الحرج الشكّ منه، كقوله:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: 94] .
وسمي الشكّ حرجا، لأنّ الشاكّ ضيّق الصدر حرجه، كما أنّ المتيقّن منشرح الصدر منفسحه. أي: لا تشكّ في أنّه منزّل من الله، ولا تحرج من تبليغه.
أقول: والأصل في «الحرج» الضّيق، ولنتسع قليلا في «الحرج» فنقول الحرج والحرج الإثم، والحارج الإثم. والحرج والحرج والمتحرّج:
الكافّ عن الإثم.
ورجل متحرّج، كقولهم: رجل متأثّم ومتحوّب ومتحنّث، يلقي الحرج والحوب والإثم عن نفسه.
قال الأزهري: وهذه حروف جاءت معانيها مخالفة لألفاظها.
وأحرجه، أي: آثمه، والتحريج:
التضييق.
وفي الحديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .
قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، ومعناه أي لا بأس عليكم ولا إثم أن تحدّثوا عنهم ما سمعتم.
وحرج صدره يحرج حرجا: ضاق فلم ينشرح لخير، فهو حرج وحرج فمن قال: حرج، ثنّى وجمع، ومن قال: حرج، أفرد لأنه مصدر.
وقوله تعالى: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: 125] وحرجا.
قال الفرّاء: قرأها عمر وابن عبّاس، حرجا، وقرأ الناس: حرجا.
أقول: فإذا فسّرنا الآية موضع بحثنا على «الشكّ» ، فذلك من كون أن الشاكّ ضيّق الصدر متحرّج غير منشرح، ومثل هذا كثير في العربية، ومنه الإصر، وغيره.
2 -وقال تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) .
والمعنى فجاءها بأسنا وهم بائتون، أو هم قائلون، فالمصدر بتأويل الحال، أي: بائتين.
ومثل هذه الآية، قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ(97) .
والبيات: البيتوتة مصدر الفعل بات يبيت، وقالوا يبات.
والبيتوتة مثل مصادر أخرى وهي الغيبوبة، والصيرورة، والسيرورة، والشيعوعة والقيمومة، والحيلولة، والطيرورة، وكذلك القيلولة.
وكنت لحظت في أن هذه المصادر، تلمح إلى أن أصل الفعل الأجوف هو المضاعف الثلاثي ألا ترى أنّنا نقول ضير وضرّ وضرر، وغبّ وغيب، وجبّ وجيب ولو استقريت سائر هذه المواد بشيء من لطف الصنعة، لوصلت إلى هذه النتيجة التي لمحناها.