ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
سورة الأعراف
قوله تعالى: (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)
إن قيل: كيف خاطبه بالإفراد في الآية الأولى، ثم جمع بقوله: ( «اتبعوا» ؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى.
والثاني: أن الخطاب الأول خاص له والثاني محمول على الإِنذار، والإِنذار في طريق القول، فكأنه قال: لتقول لهم منذرا: اتَّبِعُوا ... ، ذكرهما ابن الأنباري.
والثالث: أن الخطاب الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسّرين قالوا: والذي أنزل إليهم القرآن.
وقال الزجاج: الذي أنزل: القرآن وما أتى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: لا تتولوا مَنْ عدل عن دين الحق، وكلُّ من ارتضى مذهباً فهو ولي أهل المذهب.
قوله تعالى: (فَجاءَها بَأْسُنا)
«فَإِنْ قِيلَ» : إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، فكيف يقدَّم الهلاك؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الهلاك والبأس يقعان معاً، كما تقول: أعطيتني فأحسنت وليس الإحسان بعد الإِعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معاً، قاله الفراء.
والثاني: أن الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد جاءها، فأُضمر الكون، كما أُضمر في قوله: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ) أي: ما كانت الشياطين تتلوه، وقوله تعالى: (إِنْ يَسْرِقْ) أي: إن يكن سرق.
والثالث: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، تقديره:
وكم من قرية جاءها بأسنا بياتاً، أو هم قائلون فأهلكناها، كقوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ) أي: رافعك ومتوفيك، ذكرهما ابن الأنباري.
قوله تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ)
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس الله عزّ وجلّ يعلم مقادير الأعمال، فما الحكمة في وزنها؟