ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سورة الأعراف
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (حَرَجٌ) أَيْ ضِيقٌ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا(رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) الْحَدِيثَ.
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ إِلْكِيَا: فَظَاهِرُهُ النَّهْيُ، وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ سِوَى الإنذار به من شيء من إيمانهم
أَوْ كُفْرِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) الْآيَةَ.
وَقَالَ: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) .
وَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْحَرَجَ هُنَا الشَّكُّ، وَلَيْسَ هَذَا شَكَّ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيقِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ) .
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ.
وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالْهَاءُ فِي (مِنْهُ) لِلْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: لِلْإِنْذَارِ، أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ.
فَالْكَلَامُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيهِ قُوَّةُ الْكَلَامِ.
أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ.
قوله تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُحَاسَبُونَ.
وَفِي التَّنْزِيلِ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) .
وفي سورة القصص (وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) يَعْنِي إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَابِ.
وَالْآخِرَةُ مَوَاطِنُ: مَوْطِنٌ يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ.
وَمَوْطِنٌ لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ.
وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ وَإِفْضَاحٌ.
وَسُؤَالُ الرُّسُلِ سُؤَالُ اسْتِشْهَادٍ بِهِمْ وَإِفْصَاحٍ، أَيْ عَنْ جَوَابِ الْقَوْمِ لَهُمْ.
وَهُوَ مَعْنَى قوله: (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) عَلَى مَا يَأْتِي.