ومن لطائف ونكات تفسير السمرقندي:
سورة الأعراف
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)
روى أسباط عن السدي في قول الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية.
قال: لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء، مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي.
فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فأجابه طائفة طائعين، وطائفة كارهين.
فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة:
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ورضي الله تعالى عنهم - .
ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة.
وهذا كقوله: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ)
أما الجواب عن قولهم: إنه قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك - والله أعلم - أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه، ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم، ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر، فذكر الأخذ من ظهور ذريته، ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلاً عليه كما قال الله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) [غافر: 46] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلاً عليه.
وأما الجواب عن قولهم: إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان.
أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب.
ألا ترى أن نملة سليمان بن داود - عليهما السلام - قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان، وسبَّح الطير والجبال مع داود، فكذلك هذا.
والجواب الثاني أنهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة.
ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها.
فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر.