وَقَالَ ابْنُ فَضَّالٍ المُجَاشِعِي:
وَمِنْ سُورَةِ (الْأَعْرَافِ)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ)
الخلق: التقدير، والتصوير: جعل الشيء على صورة من الصور. والصورة: بنيةَ على هينة ظاهرة.
ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا) ، والقول كان قبل خلقنا وتصويرنا؟
وعن هذا ثلاثة أجوبة:
الأول: أن المعنى خلقنا آبائكم، ثم صورنا آبائكم. وهذا يروى عن الحسن من كلام العرب: نحن فعلنا
بكم كذا وكذا، وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي ميثاق أسلافكم الذين كانوا على زمن موسى عليه السلام.
والثاني: أن المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره، وهو قول مجاهد.
والثالث: أن الترتيب وقع في الإخبار. كأنه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: أنا راجل
ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم: علي بن عيسى والسيرافي وغيرهما، وقال
الأخفش: (ثم) هاهنا بمعنى (الواو) ، وأنكره الزجاج. وقال الشاعر:
سألتُ ربيعَةَ مِن خَيْرِهَا ... أُباً ثُمَّ أُمًّا فَقالت لمهْ
أي ليجيب أولا عن الأب ثم الأم.
قوله تعالى: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ)
الأعراف: المواضع المرتفعة؛ أخذ من عرف الفرس.، وكل مرتفع من الأرض عرف
، قال الشماخ:
فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنها ... رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ
والحجاب: الحاجز المانع من الإدراك، ومنه قيل حاجب الأمير، وقيل للضرير"محجوب".
(فصل)
ومما يسأل عنه أن يقال: من أصحاب الأعراف؟
وفي هذا أجوية:
أحدها: أنهم فضلاء المؤمنين، وهو قول الحسن ومجاهد.
وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة.
وقيل: هم ملائكة يُرون في صورة الرجال، وهو قول أبي مجلز.
وقيل: هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وهو قول حذيفة
وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) قيل هم
أصحاب الأعراف: هذا قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة.